آثار الذنوب على الأفراد والشعوب 13
الثَّانِي عَشَرَ: المَعْصِيَةُ تُورِثُ الذُّلَّ وَلَا بُدَّ؛ فَإِنَّ العِزَّ كُلَّ العِزِّ فِي طَاعَةِ اللّٰهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر : 10]؛ «أَي: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ وَيطلُبُهَا فَليَطلُبهَا مِنَ اللّٰهِ، فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَميعًا لَيسَ لِغَيرِهِ مِنْهَا شَيءٌ، فَتَشمَلُ الآيَةُ كُلَّ مَنْ طَلَبَ العِزَّةَ، وَيَكُونُ المقصُودُ بِهَا التَّنبِيهَ لِذَوِي الأَقدَارِ وَالهِمَمِ مِنْ أَينَ تُنَالُ العِزَّةُ وَتُستَحَقُّ، وَمِنْ أَيِّ جَهَةٍ تُطلَبُ؟» [1] فَمَن «كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ، فَليَطلُبهَا بِطَاعَةِ اللّٰهِ وَذِكرِهِ، مِنَ الكَلِم ِالطَّيِّبِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ» [2].
«فَإِنَّ المُطِيعَ لِلَّهِ عَزِيزٌ، وَإِن كَانَ فَقِيرًا لَيسَ لَهُ أَعوَانٌ» [3]. وَكُلَّمَا كَانَت هَذِهِ الصِّفَةُ فِيهِ أَكْمَلَ، كَانَ أَشَدَّ عِزَّةً وَأَكمَلَ رِفعَةً.
وَفي هَذِهِ الأَيَّامِ! النَّاسُ يَتَعَرَّفُونَ إِلىٰ مُلُوكِهِم وَكُبَرَائِهِم، وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيهِم لِيَنالُوا بِهِمُ العِزَّةَ وَالرِّفعَةَ، فَتَعَرَّف أَنتَ إِلىٰ اللّٰهِ، وَتَوَدَّد إِلَيهِ: تَنَلْ بِذَلِكَ غَايَةَ العِزِّ وَالرِّفعَةِ.
وَفي دُعَاءِ القُنُوتِ: «إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَن وَالَيتَ، وَلَا يَعِزُّ مَن عَادَيتَ»، وَمَنْ أَطَاعَ اللّٰهَ فَقَد وَالَاهُ فِيمَا أَطَاعَهُ فِيهِ، وَلَهُ مِنَ العِزِّ بِحَسَبِ طَاعَتِهِ، وَمَن عَصَاهُ فَقَد عَادَاهُ فِيمَا عَصَاهُ فِيهِ، وَلَهُ مِنَ الذُّلِّ بِحَسَبِ مَعصِيَتِهِ[4].
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلأَنصَارِ: «يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ! أَلَم تَكُونُوا أَذِلَّةً فَأَعَزَّكُمُ اللّٰهُ؟» قَالُوا: صَدَقَ اللّٰهُ وَرَسُولُهُ [5].
وَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لأَبِي عُبَيدَةَ بنِ الجَرَّاحِ رضي الله عنهما: «إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَومٍ فَأَعَزَّنَا اللّٰهُ بِالإِسلَامِ، فَمَهمَا نَطلُبِ العِزَّ بِغَيرِ مَا أَعَزَّنَا اللّٰهُ بِهِ، أَذَلَّنَا اللّٰهُ» [6].
فَصَاحِبُ الطَّاعَةِ عَزِيزٌ، بِعِزَّةِ اللّٰهِ، قَوِيٌّ، وَلَو لَمْ يَكُن لَهُ أَنصَارٌ إِلَّا اللّٰهُ، مَحمُودٌ فِي أُمُورِهِ، حَسَنُ العَاقِبَةِ. وَصَاحِبُ المَعصِيَةِ ذَلِيلٌ، فَلا عِزَّ لَهُ، وَلَا قَائِمَةَ تَقُومُ لَهُ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَىٰ مَن خَالَفَ أَمرِي»
[7].
«وَمُخَالَفَةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَنْ يُخَالِفُ أَمْرَهُ بِالمَعَاصِي، فَلَهُ نَصِيبٌ مِنَ الذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ. وَأَهْلُ هَذَا النَّوْعِ خَالَفُوا الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم، مِن أَجْلِ دَاعِي الشَّهَوَاتِ.
وَالنَّوعُ الثَّانِي: مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ مِنْ أَجْلِ الشُّبُهاتِ، وَهُم أَهْلُ الأَهْوَاءِ وَالبِدَعِ، فَكُلُّهُم لَهُم نَصِيبٌ مِنَ الذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ، بِحَسَبِ مُخَالَفَتِهِم لِأَوَامِرِهِ»[8].
قَالَ الشَّاعِرُ:
رَأَيتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ *****وَقَد يُورِثُ الذُّلَّ إِدمَانُهَا
وَتَركُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبِ *****وَخَيرٌ لِنِفسِكَ عِصيَانُهَا
حَيَاةُ الأَبْدَانِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَحَيَاةُ القُلُوبِ بِالذِّكْرِ وَتَرْكِ الذُّنُوبِ.
وَالعَاقِلُ مِنَ النَّاسِ مَنْ عَرَفَ مَوَاطِنَ العِزَّةِ فَتَحَرَّاهَا، وَمَوَاطِنَ الذُلِّ فَتَوَقَّاهَا.
قَالَ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله:
وَهُوَ المُعِزُّ لِأَهلِ طَاعَتِهِ وَذَا *****عِزٌّ حَقِيقِيٌّ بِلَا بُطلَانِ
وَهُوَ المُذِلُّ لِمَنْ يَشَاءُ بِذِلَّةِ الـ *****ـدَّارَينِ ذُلَّ شَقًا وَذُلَّ هَوَانِ[9]
وَهَذَا الذُّلُّ وَالهَوَانُ الَّذِي أَصَابَ أُمَّتَنَا، لَا يُرْفَعُ إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى اللّٰهِ تَعَالَى.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّٰهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِيْنَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيْتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ؛ سَلَّطَ اللّٰهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا، لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوْا إِلَى دِيْنِكُمْ»[10].
فَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِيْنَةِ» إِشَارَةٌ إِلَى نَوْعٍ مِنَ المُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ، ذَاتِ التَّحَايُلِ عَلَى الشَّرْعِ.
وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ» إِشَارَةٌ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَالرُّكُونِ إِلَيْهَا، وَعَدَمِ الِاهْتِمَامِ بِالشَّرِيعَةِ وَأَحْكَامِهَا.
وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «وَرَضِيْتُمْ بِالزَّرْعِ» وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ شَغَلَهُ الحَرْثُ وَالزَّرْعُ عَنِ القِيَامِ بِالوَاجِبَاتِ، وَالتَّشَاغُلِ بِهَا عَنِ الدِّينِ.
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رضي الله عنه قَالَ - وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الحَرْثِ - فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّٰهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ؛ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللّٰهُ الذُّلَّ»[11].
وَهَذَا الحَدِيثُ تَرْجَمَ لَهُ البُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ: «بَابُ مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الِاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ، أَوْ مُجَاوَزَةِ الحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ».
وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ» هُوَ ثَمَرَةُ الخُلُودِ إِلَى الدُّنْيَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38].
وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «سَلَّطَ اللّٰهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا، لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوْا إِلَى دِيْنِكُمْ» فِيهِ إِشَارَةٌ صَرِيحَةٌ إِلَى أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الدِّينِ طَرِيقُنَا إِلَى رَفْعِ الذُّلِّ، وَالدِّينُ الَّذِي يَرفَعُ الذُّلَّ هُوَ الأَمْرُ الأَوَّلُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّٰهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ.
عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّٰهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ - وَنَحْنُ جُلُوسٌ عَلَى بِسَاطٍ -: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ». قَالُوا: كَيْفَ نَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللّٰهِ؟ قَالَ: فَرَدَّ يَدَهُ إِلَى البِسَاطِ؛ فَأَمْسَكَ بِهِ، قَالَ: «تَفْعَلُونَ هَكَذَا»، وَذَكَرَ لَهُم رَسُولُ اللّٰهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا: «أَنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ» فَلَمْ يَسْمَعْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ مُعَاذٌ: تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللّٰهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالُوا: مَا قَالَ؟ قَالَ: يَقُولُ: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ». قَالُوا: فَكَيْفَ لَنَا يَا رَسُولَ اللّٰهِ؟ أَوْكَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَرْجِعُونَ إِلَى أَمْرِكُمُ الأَوَّلِ»[12].
فَالذُّلُّ قَد نَزَلَ بِنَا، وَالهَوَانُ قَد أَحَاطَ بِخِيَامِنَا، وَالعَذَابُ قَد أَحْدَقَ بِسَاحَتِنَا، فَلَا يَرْفَعُ اللّٰهُ كُلَّ ذَلِكَ عَنَّا حَتَّى نَعُودَ إِلَى دِينِنَا.
إِذًا لَا بُدَّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ العَوْدَةِ الصَّحِيحَةِ إِلَى الدِّينِ، كَمَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ: فِي العَقِيدَةِ، وَفِي العِبَادَةِ، وَفِي السُّلُوكِ، وَفِي كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الشَّرِيعَةِ.
قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ رحمه الله: «لَنْ يَصْلُحَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ، إِلَّا بِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا».
[1] «الداء وَالدواء» (ص 277).
[2] «المجموعة الكاملة» (3/258).
[3] «الداء والدواء» (ص 277).
[4] «الداء والدواء» (ص 277).
[5] رواه أحمد (3/57)، وَإسناده صحيح.
[6] رواه الحاكم (1/61 - 62)، بسندٍ صحيحٍ.
[7] قطعة من حديث رواه أحمد (2/50)، وَصححه الألباني رحمه الله في «صحيح الجامع» (2831).
[8] انظر: «الحكم الجديرة بالإذاعة» (ص31 - 32)، لابن رجب رحمه الله.
[9] «الكافية الشافية» (ص 213) [دار ابن الجوزي - الدمَّام].
[10] رواه أبو داود (3462)، وصححه الألباني رحمه الله في «صحيح سنن أبي داود» (2/365).
[11] رواه البخاري (2321).
[12] رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (4811)، وصححه الألباني رحمه الله في «الصحيحة» (3165).