آثار الذنوب على الأفراد والشعوب 14
الثَّالِثُ عَشَرَ: ذَهَابُ الحَيَاءِ الَّذِي «هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الأَخْلَاقِ وَأَجَلِّهَا، وَأَعْظَمِهَا قَدْرًا، وَأَكْثَرِهَا نَفْعًا». قَالَ رَسُولُ اللّٰهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإِسْلَامِ الحَيَاءُ» [1].
«وهُوَ مَادَّةُ حَيَاةِ القَلْبِ، وَهُوَ أَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ، وَذَهَابُهُ ذَهَابُ الخَيْرِ أَجْمَعِهِ» [2].
فَإِنَّ حَيَاةَ القَلْبِ هِيَ المَانِعَةُ مِنَ القَبَائِحِ الَّتِي تُفْسِدُ القَلْبَ. فَإِنَّ الحَيَّ يَظْهَرُ عَلَيْهِ التَّأَثُّرُ بِالقَبِيحِ، وَلَهُ إِرَادَةٌ تَمْنَعُهُ عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ، بِخِلَافِ الوَقِحِ الَّذِي لَيْسَ بِحَيِيٍّ فَلَا حَيَاءَ مَعَهُ، وَلَا إِيمَانَ يَزْجُرُهُ عَنْ ذَلِكَ [3]. فَلَا يَحُسُّ بِمَا يُؤْلِمُهُ مِنَ القَبَائِحِ.
لِذَلِكَ تَرَاهُ يَرْضَى بِتَبَرُّجِ زَوْجَتِهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ، وَمُخَالَطَتِهَا لِلرِّجَالِ، وَدُخُولِهَا عَلَيْهِم وَدُخُولِهِم عَلَيْهَا، حَتَّى عَظُمَ الشَّرُّ وَعَظُمَ البَلَاءُ. وَمِنْ تِلْكَ البَلايَا: الأَجْهِزَةُ الخَبِيثَةُ* الَّتِي يُدْخِلُهَا المُسْلِمُ بَيْتَهُ، فَإِنَّهَا تُرَبِّي زَوجَتَهُ وَبَنَاتَهُ عَلَى ذَهَابِ الحَيَاءِ. (تعليق: ليست الأجهزة خبيثة، بل هي آلات وأدوات تستخدم للخير كما تستخدم للشر، فالخبيث هنا هو البرامج والمحتويات التي قد تُعرَض على تلك الأجهزة - أبو مريم)
يَعْكُفُ عَلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، عَلَى مُشَاهَدَةِ المَحَطَّاتِ المَاجِنَةِ، وَاسْتِمَاعِ الأَصْوَاتِ الفَاجِرَةِ، الَّتِي تَعْمَلُ فِي القُلُوبِ أَعْظَمَ مِنَ السُّمِّ فِي الأَبْدَانِ، دُونَ حَسِيبٍ أَو رَقِيبٍ.
فَيَا لَهَا مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أَعْظَمَهَا؟ وَخَسَارَةٍ مَا أَكْبَرَهَا؟ بُلِيَ بِهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ، وَصَادَ بِهَا الشَّيْطَانُ الخَلْقَ الكَثِيرَ، وَالجَمَّ الغَفَيرَ.
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ، فَاصْنَع مَا شِئْتَ»[4].
وَالمَعْنَى: أَنَّ الرَّادِعَ عَنِ القَبِيحِ إنَّمَا هُوَ الحَيَاءُ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَحِ فَإِنَّهُ يَصْنَعُ مَا شَاءَ.
فَالحَيَاءُ هُوَ الحَائِلُ بَيْنَ الإِقْدَامِ عَلَى المَعْصِيَةِ وَالإِمْسَاكِ عَنْهَا، وَأَنَّهُ كَالسَّدِّ إِذَا تَحَطَّمَ انْهَمَرَ المَاءُ يُغْرِقُُ كُلَّ شَيْءٍ، فَالَّذِي لَا حَيَاءَ لَهُ لَا سَدَّ عِنْدَهُ، فَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ مِنَ الإِقْدَامِ عَلَى المَعْصِيَةِ لِيَفْعَلَهَا، وَلَا يَرَى بِهَا بَأْسًا.
وَقَالَ القَائِلُ:
وَرُبَّ قَبِيحَةٍ مَا حَالَ بَيْنِي*****وَبَيْنَ رُكُوبِهَا إِلَّا الحَيَاءُ
فَكَانَ هُوَ الدَّوَاءَ لَهَا وَلَكِن*****إِذَا ذَهَبَ الحَيَاءُ فَلَا دَوَاءُ
(قبيحة: سيئة، ركوبها: ارتكابها - أبو مريم)
وَلِلّٰهِ دَرُّ القَائِلِ:
إِذَا لَمْ تَخْشَ عَاقِبَةَ اللَّيَالِي وَلَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ
فَلَا وَاللّٰهِ مَا فِي العَيْشِ خَيْرٌ*****وَلَا الدُّنيَا إِذَا ذَهَبَ الحَيَاءُ
يَعِيشُ المَرْءُ مَا اسْتَحْيَى بِخَيرٍ*****وَيَبْقَى العُودُ مَا بَقِيَ اللِّحَاءُ
يَبْقَى العُودُ غَضًّا طَرِيًّا مَا بَقِيَتِ القِشْرَةُ الخَضْرَاءُ، فَإِنْ سَقَطَتْ فَقَد آذَنَتْ حَيَاتُهُ بِالضُّمُورِ.
[1] رواه ابن ماجه (4181)، وصححه لغيره الألباني رحمه الله في «الصحيحة» (940).
[2] «الداء والدواء» (ص 110).
[3] «مجموع الفتاوى» (10/109 - 110).
[4] رواه البخاري (6120).
يتبع...